النويري

175

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال آخر : لا تصغ للَّوم إنّ اللَّوم تضليل واشرب ففي الشّرب للأحزان تحليل . فقد مضى القيظ واجتثّت رواحله ، وطابت الرّاح لما آل أيلول . وليس في الأرض نبت يشتكى رمدا إلا وناظره بالطَّلّ مكحول . وقال آخر يذمّه : خذ بالتّدثّر في الخريف فإنّه مستوبل ، ونسيمه خطَّاف . يجرى مع الأيّام جرى نفاقها لصديقها « ومن الصّديق يخاف » ! ومما وصف به من النثر : قال أبو إسحاق الصابى يصفه : الخريف أصح فصول السنة زمانا ، وأسهلها أوانا ؛ وهو أحد الاعتدالين ، المتوسطين بين الانقلابين ، حين أبدت الأرض عن ثمرتها ، وصرّحت عن زينتها ؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها ، وتأذّنت بانسكاب مائها ؛ وصارت الموارد ، كمتون المبارد ؛ صفاء من كدرها ، وتهذّبا من عكرها ؛ واطَّرادا مع نفحات الهواء ، وحركات الريح الشّجواء ؛ واكتست الماشية وبرها القشيب ، والطائر ريشه العجيب . وقال ابن شبل : كلّ ما يظهر في الربيع نوّاره ، ففي الخريف تجتنى ثماره ؛ فهو الحاجب أمامه ، والمطرق قدّامه . وقال ضياء الدّين ابن الأثير الجزرىّ عن الخريف يفتخر على فصل الربيع : أنا الذي آتى بذهاب السّموم ، وإياب الغيوم ، واعتصار بنات الكروم ، وتكاثر ألوان المشروب والمطعوم ؛ وفىّ يترقرق صفاء الأنهار ، فتشتبه القوابل بالأسحار ، وأيامى